مقدّمة
زیارةُ الجامِعَةِ الکَبیرَةِ هِيَ مِن النُّصوصِ الدُّعائیَّةِ المهمة في التراث الشيعي، وهی المَنقُولةِ عن الأئمَّةِ المعصومینَ (علیهمالسلام)، وتَحتَوِي على تَعالیم عَمیقةٍ فِي التَّوحیدِ، مَعرِفَةِ الإمامِ، والولایةِ.
وفقًا لِلحَدیثِ المشهورِ المُتَّفَق علیه بینَ جمیع المُسلِمین، یعنی “حديث الثقلين”، إن القرآنَ الکریمَ و أهل البيت (عليهم السلام) متلازمان مُکمِّلانِ ولن يفترقا.
قالَ رسولُ اللهِ صلی الله علیه وآله وسلم:
«إِنِّی تَارِکٌ فِیکُمُ الثَّقَلَینِ مَا إِنْ تَمَسَّکْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا، کِتَابَ اللهِ وَعِتْرَتِی أَهْلَ بَیْتِی، وَإِنَّهُمَا لَنْ یَفْتَرِقَا حَتَّى یَرِدَا عَلَیَّ الحَوْضَ، فَانْظُرُوا کَیْفَ تَخْلُفُونِّی فِیهِمَا».
وكما أنّ القرآن المكتوب والصامت يحتاج إلى تفسير وتوضيح، فإنّ القرآن الناطق، أي أهل البيت، يجب معرفتهم وَ فَهمُ کلامهم بِشَکلٍ صَحِیحٍ للاستفادة من برکاتهم. وَمِن أَجلِ عُمقِ عِلمِهِم وَمَعرِفَتِهِم، یَحتاجُ کَلامُهُم أیضاً إلى تَفسیرٍ وَشَرحٍ. وفي هذا الطريق، فإنّ أفضل المصادر لفهمهم ومعرفتهم هم أنفسهم (أهل البيت عليهم السلام) والقرآن الكريم. ويمكن أن نقول أنّ الفهم الكامل لمكانة أهل البيت (عليهم السلام) لا يتحقق إلا من خلال الثقلين.
قالَ الإمامُ عَلِیٌّ (علیهالسلام):
«هَذا کِتابُ اللهِ الصَّامِت، وَأَنَا المُعَبِّرُ عَنهُ. فَخُذُوا بِکِتابِ اللهِ النَّاطِق، وَذَرُوا الحُکمَ بِکِتابِ اللهِ الصَّامِت، إذ لَا مُعَبِّرَ عَنهُ غَیرِی».
وَقَالَ (علیهالسلام) فِي حَدیثٍ آخَر:
«أَنَا عِلمُ اللهِ… وَأَنَا لِسَانُ اللهِ النَّاطِق».
لَقَدِ اتُّهِمَ الشِّیعَةُ بِالغُلُوِّ فِي حَقِّ أَهلِ البَیتِ (علیهمالسلام)، وَلَکِن إذا استَطَعنَا إثباتَ مَا نَعتَقِدُهُ بِالدَّلِیلِ مِن القُرآنِ وَالأَحادیثِ الَّتِي یُجمِعُ عَلَیهَا المُسلِمُونَ، فَإِنَّنَا لا نَکُونُ غَالِینَ، بَل یَکُونُ ذَلِکَ دَلیلًا عَلَى قُصُورِ عِلمِ الآخَرِینَ أو تَعَصُّبِهِم.
معنَى الزِّیَارَةِ
الزِّیَارَةُ هِيَ إِحْدَى طُرُقِ مَعرِفَةِ فَضَائِلِ أَهْلِ البَیتِ (علیهمالسلام) وَالتَّقَرُّبِ إِلَیهِم. وَفِي اللُّغَةِ العَرَبِیَّةِ تَعْنِي الزِّیَارَةُ القَصدَ وَالتَّوَجُّهَ. أمَّا فِي المُصطَلَحِ الدِّینِي، فَتُطلَقُ عَلَى اللِّقَاءِ الحَضُورِي أو المَعنَوِي بنيّة الاحترام والتقدير وَالتَّقَرُّبِ إلى أَولِیَاءِ اللهِ. وَلکن فِي زماننا، تُستخدم كلمة “زيارة” أكثر للإشارة إلى زيارة قبور الشخصيات المقدسة. بين المسلمين، وخاصة الشيعة، تُعدّ الزيارة من الأعمال العبادية المهمة. ومن غير المقبول أن يقوم شخص بعملٍ يُعظِّمه، ويتحمل من أجله التكاليف والمشقة الكبيرة، دون أن يدرك معناه.
كيفية أداء الزيارة
“السلام” جزءٌ مهم من الزيارات:
تبدأ الزيارة عادةً بإرسال السلام والصلاة عليهم، باستخدام عبارة: “السلام” (السلام عليكم).
عقيدتنا الدينية واستنتاج العقلي يُقرّان بأن الله سبحانه وتعالى لا يعمل بلا هدف ولا يأمرنا بشيء عبث. ولو كانت هناك كلمة أخرى تحمل بركات وخواص “السلام”، ليختارها الله وأمر بها. حتى في القرآن الكريم، هناك كلمات غيرعربية. رغم زعم البعض أن “السلام” مجرد كلمة عربية أو خاصة بالثقافة العربية؛ بل “السلام” كلمة دينية وإسلامية.
لماذا نقول “السلام”؟
۱. أمر الله:
في القرآن الكريم يأمر الله تعالى المؤمنين صراحةً بالصلاة والسلام علی النبی الاکرم : “إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا” (سورة الأحزاب، الآية 56)
أمرُ الله بالسلام على النبي يدل على أهميته وتأثيره الواقعي. كما أن السلام الأخير في الصلاة واجب على كل مسلم، حيث يُطلب من المصلين يوميًا أن يُسلّموا على جميع الملائكة والمؤمنين بمن فيهم الأنبياء والصالحين والشهداء والأولياء وحتى على أنفسهم.
۲. سنة الله:
لله سنن مختلفة مثل الإملاء، الاستدراج و نصرة المؤمنين. من سنن الله عز وجل السلام على عباده الصالحين من خلال الفهم والعمل بسنة الله، نتقرب إلى الله وإلى عباده المختارين.
حتى بدون أمر الله تعالی، تؤكد سنة الله على السلام إلى عباده الصالحين:
◦ “سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ” (سورة الصافات، الآية 130)
◦ “سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ” (سورة الصافات، الآية 120)
◦ “سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ” (سورة الصافات، الآية 109)
◦ “سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ” (سورة الصافات، الآية 79)
◦ “قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى” (سورة النمل، الآية 59)
هذه الأمثلة تبدي قيمة ومكانة السلام في سنن الإلهيه.
۳. تعبير عن التولّي والتبري:
السلام وسيلة لإظهار المحبة والولاء (التولّي) لأولياء الله، وعدم إرسال السلام وسيلة للتعبير عن البراءة (التبري) من أعداء الله.
تبصرة: أحيانًا يُستخدم السلام للإشارة إلى المسالمة وترك الجدال، مثل قوله تعالى:
“وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ”. طبعاََ، نحن لا نناقش هذا النوع من السلام في هذا المقال.
۴. دعاء مستجاب:
عند قول “السلام”، ندعو الله أن ينزل سلامه على الآخرين. فالسلام دعاء مستجاب أهداه الله الكريم لكل مسلم ليهديه للآخرين.
۵. السلام نعمة لا تُقدّر بثمن:
في الجنة، هناك ثلاث أنواع من البركات:
◦ بركات مُعدة مسبقًا: “نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ” (سورة فصلت، الآية 32).
◦ بركات تنتظر الطلب أو التمني: “لَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ” / “لَهُمْ مَا يَدَّعُونَ”.
◦ بركات فوق التصور و أكثر ممّا نتخيل: “وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ”.
والسلام هو نوع من هذه النعمة العظمى التي لا نستطيع أن ندرك عظمتها. عندما يقول الله: “سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ”، يعني “لهم سلام”.
۶. برکة لجمیع متبعی الانبیاء:
عندما يتبع الناس الأنبياء، قد يحصلون على نعمة السلام من الله: سَلاَمٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ * إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. في بعض التفاسير نقرأ أن جميع المحسنين ينالون هذه البركة، أي سلام الله على أنبيائه. كما أن العلماء الذين يتبعون الأنبياء يرثون نعمة الأنبياء: “العُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ”؛ والمقصود ليس وراثة المال الدنيوي، بل وراثة علمهم وبركات دعوتهم، ويمكنهم أيضاً الاستفادة من بركات السلام على الأنبياء.
۷. السلام أحد أسماء الله الحسنى:
من أسماء الله: “السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ”.
وقد يكون إرسال السلام إشارةً إلى رغبتنا في أن يبقي الله، الذي هو السلام، ذلك الشخص في أمان وسلام. وعبارة “السلام عليكم” تعني “عليكم بركة من أحد أسماء الله، وهو السلام”.
۸. السلام فی الزیارة يُظهِر أن أهل البيت (عليهم السلام) أحياء:
“وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ”
خاصة مع استخدام الخطاب بـ”يا” والإضافة “كم” في عبارة: “السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ”، مما يدل على إيماننا بحضورهم واحترامنا لهم.
ملاحظة:
هذه الآية الكريمة لا تريد حصر الحياة في الشهداء الذين قُتلوا في سبيل الله فقط، بل تشير إلى أنهم أحياء يُرزَقون عند ربهم. لأن الجميع أحياء في عالم البرزخ، ولكن الشهداء مميزون بأنهم يُرزَقون من عند الله.
وبناءً على ذلك، أهل البيت (عليهم السلام)، الذين هم أحياء، لديهم رزق مضمون من الله سبحانه وتعالى، ويرزقهم الله بكرمه، وهم أيضاً، بإذن الله، يُعطون من هذا الرزق الإلهي و يهبون.
۹. إن الرد على السلام واجب:
“وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا…”
وبما أن أهل البيت (عليهم السلام) كرماء و جوادون، فهم بلا شك سيردّون على سلامنا بأفضل وأكرم من ذلك، أي “أَحْسَنَ مِنْهَا”. وبالتالي، فإن السلام عليهم بالتأكيد يجلب الخير والبركة.
الرد على السلام واجب حتى في الصلاة:
حتى أثناء الصلاة، حيث تُحرم علينا العديد من الأعمال كالأكل والشرب والاستدارة عن القبلة وغيرها، يُستثنى الرد على السلام من هذا التحريم.
۱۰. الأمر بالسلام عند دخول البيوت: وقد أُمرنا بأن نُلقي السلام عند دخول أي بيت:
“فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً” (سورة النور، الآية 61)
هذا السلام، رغم أنه يخرج من ألسنتنا، إلا أن بركاته تأتي من مقام “عند الله”، ما يجعله مُبَارَكَةً طَيِّبَةً. وإذا كان السلام على النفس يجلب البركة، فإن السلام على الآخرين يجلب البركة للمُسلِّم والمُسلَّم عليه.
۱۱. تمنّي سلامة الدين و الدنيا:
عندما نتبادل السلام، نتمنى لبعضنا البعض سلامة الدين والدنيا. كان النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) يقول عند الوداع هذه الكلمات:
“زَوَّدَكُمُ اللَّهُ التَّقْوَى، وَوَجَّهَكُمْ إِلَى كُلِّ خَيْرٍ، وَقَضَى لَكُمْ كُلَّ حَاجَةٍ، وَسَلَّمَ لَكُمْ دِينَكُمْ وَدُنْيَاكُمْ، وَرَدَّكُمْ إِلَيَّ سَالِمِينَ.”
